ابن ميثم البحراني

74

شرح نهج البلاغة

وقوله : واطمأنّت صفاتهم . استعارة للفظ الصفاة لحالهم الَّتي كانوا عليها ، ووجه المشابهة أنّهم كانوا قبل الإسلام في مواطنهم وعلى أحوالهم متزلزلين لا يقرّ بعضهم بعضا في موطن ولا على حال بل كانوا أبدا في الغارة والنهب والجلاء . فكانوا كالواقف على حجر أملس متزلزل مضطرب . فاطمأنّت أحوالهم وسكنوا في مواطنهم . كلّ ذلك بسبب مقدم محمّد صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم . وقوله : أمّا واللَّه إن كنت لفي ساقتها . إلى قوله : ولا جبنت . تقرير لفضيلته . فأثبت لنفسه أنّه كان من ساقتها إلى أن تولَّت بأسرها من غير عجز اعتراه ولا جبن ، والضمير في ساقتها لكتائب الحرب وإن لم يجر لها ذكر صريح بل ما يحصل منه معنى الذكر وهو الناس فكأنّه قال : فساق الناس وهم يومئذ كتائب عليه فكنت في ساقتها حتّى تولَّت تلك الكتائب بأسرها لم يبق منها من يغالبه ، وقد علمت أنّ السوق قد يكون سوق طرد وهزيمة ، والأوّل هو غايته عليه السّلام من السوق الثاني إذ لم يكن مقصوده من حروبه إلَّا السوق إلى الدين ، ولمّا لم يمكن حصول الهداية للخلق إلَّا بوجود النبيّ صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، وإيضاح سبيل الحقّ كان ذبّه وطرده الكتائب حتّى تولَّت بحذافيرها حماية عن النبيّ صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم وعن حوزة الدين أمرا واجبا لا لذاته لكن لغرض تمام الهدى الَّذي هو غاية وجود النبيّ صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم . وقوله : ما عجزت [ ما ضعفت خ ] ولا جبنت . تمام لإثبات الفضيلة المذكورة له ، وتقرير لما علم من شجاعته ، وتأكيد لعدم العجز والجبن الَّذي هو طرف التفريط من فضيلة الشجاعة . وقوله : وإنّ مسيري هذا لمثلها . أي لمثل تلك الحال الَّتي كنت عليها معهم زمان كفرهم من سوق كتائبهم وطردها من غير جبن ولا ضعف . وهو في معنى التهديد الَّذي عساه أن يبلغ خصومه وتقوى به نفوس أوليائه ، وكذلك قوله : ولأبقرنّ الباطل حتّى أخرج الحقّ من خاصرته . أيضا في معنى التهديد ، وتنبيه على ما عليه خصومه من الباطل . واستعار هنا لفظ الخاصرة للباطل والبقر لتفريق الباطل وتمييز الحقّ منه تشبيها له في استتار الحقّ فيه وعدم